محمد جمال الدين القاسمي

268

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين ، والتأويل المردود هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره . فلو قيل : إن هذا هو التأويل المذكور في الآية ، وأنه لا يعلمه إلا اللّه ، لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية تأويلا يخالف دلالتها ، لكن ذلك لا يعلمه إلا اللّه . وليس هذا مذهب السلف والأئمة ، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها ، لا التوقف عنها . وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني . لا تحرف ولا يلحد فيها . والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه ، أن نقول : لا ريب أن اللّه سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار والعليم والقدير والرؤوف ونحو ذلك ، ووصف نفسه بصفات مثل سورة الإخلاص وآية الكرسيّ وأول الحديد وآخر الحشر ، وقوله : أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ، و : عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ، و : فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * و : الْمُقْسِطِينَ * ، و : الْمُحْسِنِينَ * ، وأنه : ( يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ، و : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [ الزخرف : 55 ] . ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ [ محمد : 28 ] . وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ [ التوبة : 46 ] . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ * [ الأعراف : 54 ] . يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] . وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [ الزخرف : 84 ] . إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] . إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] . ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [ المائدة : 64 ] . وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] . يُرِيدُونَ وَجْهَهُ * [ الكهف : 28 ] . وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [ طه : 39 ] . إلى أمثال ذلك . فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه : أتقول هذا في جميع ما سمى اللّه ووصف به نفسه أم في البعض ؟ فإن قلت هذا في الجميع كان هذا عنادا ظاهرا ، وجحد لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ، بل كفر صريح . فإنا نفهم من قوله : أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ، معنى . ونفهم من قوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * معنى ليس هو الأول . ونفهم من قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] . معنى ، ونفهم من قوله : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ [ إبراهيم : 47 ] ، معنى . وصبيان المسلمين ، بل وكل عاقل يفهم هذا .